إجهاض المرأة المغتصبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

حقوق
حقوق
تتناول دراسة هذا الموضوع فكرة قدوم المرأة – التي سبق وان ارتكب بحقها جريمة اغتصاب من قبل رجل ما ، وترتب على هذا الاغتصاب أن حملت جنيناً في بطنها من هذا الرجل الذي أغتصبها – على إجهاض نفسها للتخلص من هذا الجنين الذي حملته بلا وجه شرعي أو مسوغ قانوني.

إذن هناك جريمتان أولهما جريمة اغتصاب وثانيهما جريمة إجهاض ، إلا أنني ومن خلال هذه الدراسة أود أن أوضح حكم القوانين الجنائية العربية مقارنة بأحكام الفقه الإسلامي.

تم تقسيم الدراسة إلى أربعة مباحث، تناولنا في المبحث الأول تحديد ماهية جريمة الإجهاض وفي المبحث الثاني شروط إجهاض المرأة المغتصبة، وفي المبحث الثالث حالات إجهاض المرأة المغتصبة، وفي المبحث الرابع حكم إجهاض المرأة المغتصبة.

المقدمة

الإجهاض هو جريمة الاعتداء على حق الجنين في الحياة وعلى حقه في النمو الطبيعي ، فان كانت القوانين الجنائية الوضعية قد اتفقت إلى حد ما على حكم معين بصدد جريمة قتل الإنسان الحي ، فإنها لم تتفق بذات الاتفاق على حكم جريمة الإجهاض فالاتجاهات التشريعية الجنائية الوضعية تتغير بتغير أوجه الحياة والمظاهر السائدة في المجتمع. ويرجع أساس هذا التغير في الأوضاع التشريعية إلى اختلاف آراء الفلاسفة والمصلحين وعلماء الدين ورجال القانون وغيرهم حول مسألة الإجهاض ما بين مؤيد ومعارض. فالمؤيدون يرون أن في الإجهاض تقديساً لحرية المرأة في اختيارها للأمومة و ط ريقاً للتقليل من الأعداد المتزايدة للسكان في الدول ذات الكثافة السكانية العالية كما أن في الإجهاض تخفيف للمرأة من متاعب ومشاق الحياة اليومية. وبالمقابل يرى المعارضون عكس ما يراه المؤيدون ، فإباحة الإجهاض ستؤدي إلى انتشار الفاحشة والرذيلة، وفيه هدم لبنيان العائلة كما انه يقلل من أعداد الولادات. ومع ذلك فالمعارضون للإجهاض معارضتهم ليست مطلقة أو قطعية ، بمعنى آخر توجد حالات استثنائية يحق فيها للمرأة الحامل إجهاض نفسها كالأسباب الطبية والاجتماعية والأخلاقية ( [1] ) .

فقد يكون الجنين سببه جريمة أخلاقية كالاغتصاب والمرأة المغتصبة في مثل هذه الحالة يكون قد وقع حيف عليها عندما ارتكب بحقها جريمة اغتصاب نتج هذا الاغتصاب أن حملت هذه المرأة جنيناً في بطنها مما زاد في محنتها وحيرتها ، فلم تجد بداً إلا التخلص من هذا الجنين بطريقة ما فظهر ما يعرف بإجهاض المرأة المغتصبة.

يثير هذا الموضوع عدة تساؤلات ، وهذه التساؤلات مصدرها مجموعة فرضيات ، فإذا ارتكبت جريمة اغتصاب بحق أنثى ، ينشأ عن ذلك جملة احتمالات ، فقد يكون المجرم المغتصب مجهول وقد يكون معلوم ، وقد يتناوب على اغتصاب هذه الأنثى مجموعة أشخاص ، وقد يموت المجرم المغتصب تاركاً ضحيته وما في بطنها في حيرة من أمرها لا تدري ماذا تفعل ، بل وأكثر من ذلك قد يصدر قرار من المحكمة بإعدام الجاني الذي خطفها واغتصبها ، فهل يقبل واقع المرأة الاجتماعي قبول الطفل الناتج عن مثل هذا الحمل ، فهناك عدة عوامل تتحكم في نظرة القانون إلى مسألة إجهاض المرأة المغتصبة ، من ضمنها العوامل الثقافية والاجتماعية والدينية وأهم من ذلك مصلحة الجنين الذي سيخرج إلى الوجود ليصطدم بالمجتمع وهو نتاج لحظة آثمة ، فهل من مصلحة هذا الجنين أن يخرج إلى الوجود ؟ أم ينتهي إلى العدم ؟ وهل يصلح أن تستند إلى معايير قانونية للبت في ذلك؟

لكل ذلك وقع اختياري على دراسة هذا الموضوع للإجابة وعلى مثل هذه التساؤلات والإحاطة بكل ما فيه وتسليط الضوء عليه وإزالة ما يكتنفه من غموض أو لبس.

جاءت دراسة هذا الموضوع مقارنة بين حكم الفقه الإسلامي على مختلف مذاهبه وحكم القانون الوضعي في أربعة مباحث ، فقد تم تخصيص المبحث الأول لبيان ماهية إجهاض المرأة المغتصبة حيث تناولت تعريف إجهاض المرأة المغتصبة وتمييزه عما يشتبه به ثم سلطنا الضوء على التكييف القانوني له ثم تطرقنا بالدراسة إلى مسألة اجتماع الظروف المشددة مع الأعذار القانونية المعفية أو المخففة عند إقدام المرأة المغتصبة على الإجهاض ، أما في المبحث الثاني فقد تعرضنا بالبحث والتفصيل إلى بيان الشروط الواجب تحققها لإقدام المرأة المغتصبة على الإجهاض وفي المبحث الثالث وضحنا حالات وصور إجهاض المرأة المغتصبة أما في المبحث الرابع فقد تطرقنا إلى حكم إجهاض المرأة المغتصبة في الفقه الإسلامي ومن ثم في القانون الوضعي.

المبحث الأول

ماهية إجهاض المرأة المغتصبة

تحتاج فكرة الإجهاض في تحديد معناه وبيان موضعه من السياسة الجنائية إلى التعرض إلى تعريف الإجهاض من الناحية اللغوية والطبية والقانونية التي قد تتفق أو تختلف مع تعريف الإجهاض من الناحية الطبية، ومن ثم التعرض إلى تعريف الإجهاض من الناحية القضائية.

فبتعريف إجهاض المرأة المغتصبة سوف نتوصل إلى تمييزه عما يشتبه به من أفعال أخرى.

عليه تم تقسيم دراسة هذا المبحث إلى أربعة مطالب ، تناولنا في المطلب الأول تعريف إجهاض المرأة المغتصبة وفي المطلب الثاني بيان أوجه الشبه والاختلاف بين إجهاض المرأة المغتصبة عن بعض صور الجرائم الأخرى التي قد تتشابه معها إلى حد ما ، وفي المطلب الثالث وضحنا التكييف القانوني لهذا النوع من الإجهاض وفي المطلب الرابع درسنا مسألة اجتماع الظروف المشددة مع الأعذار القانونية المخففة لدى المرأة المغتصبة الحامل التي تجهض نفسها.

المطلب الأول

تعريف إجهاض المرأة المغتصبة

قبل تعريف إجهاض المرأة المغتصبة ، لابد من تحديد معنى الإجهاض ، فالإجهاض في ال لغة العربية مأخوذ من الفعل الثلاثي (جهض) فتقول أجهضت الناقة إجهاضاً وهي مجهض أي ألقت ولدها لغير تمام ،وقيل ألقت الناقة ولدها قبل أن يستبين خلقه، وفي الحديث فأجهضت جنيناً أي أسقطت حملها ، والسقط جهيض وقيل الجهيض السقط الذي قد تم خلقه ونفخ فيه الروح من غير أن يعيش ( [2] ) .

أما في اللغة الإنكليزية فيستخدم مصطلح (Abortion) ( [3] ) دلالة على الإجهاض ، وقد ورد تعريفه في قاموس مصطلحات العدالة الجنائية على انه الفعل اللاقانوني العمدي للإجهاض أو الإنزال المبتسر للجنين القابل للحياة من قبل المرأة نفسها أو بواسطة شخص آخر ( [4] ) . أما في القاموس القانوني Black’s Law Dictionary فقد عرف الإجهاض على انه الإنهاء المحدث اصطناعياً للحمل بقصد إتلاف الجنين ( [5] ) .

أما في اللغة الفرنسية فيستخدم مصطلح (Avortement) ( [6] ) بمعنى الإجهاض.

أما من الناحية الطبية فالإجهاض هو انتهاء الحمل قبل تمام الأشهر الرحمية وهي الأشهر السبعة أو الستة من بدء الحمل ( [7] ) .

أما من الناحية القانونية فلم نجد قانوناً جنائياً عربياً قد وضع تعريفاً معيناً محدداً ثابتاً للإجهاض ، وحسناً فعلت التشريعات العربية لأن وضع التعاريف هو ليس من عمل المشرع ، بل هو من واجب شراح وفقهاء القانون ( [8] ) ، بل إن التشريعات الجنائية العربية لم تتفق فيما بينها على استخدام مصطلح محدد بذاته للدلالة على السلوك المادي المكون لجريمة الإجهاض ، وانقسموا فيما بينهم إلى اتجاهين فالاتجاه الأول استخدم مصطلح الإجهاض كالقانون الأردني والعراقي والسوداني والقطري والجزائري.أما الاتجاه الثاني فقد استخدم مصطلح الإسقاط كالقانون المصري.

أما على صعيد الفقه ، فنجد أن فقهاء وشراح القانون الجنائي قد وضعوا عدة تعاريف للإجهاض ، فمن الفقهاء المصريين عرفه الدكتور محمود نجيب حسني عرفه على أنه “إخراج الجنين عمداً من الرحم قبل الموعد الطبيعي لولادته أو قتله عمداً في الرحم” ( [9] ) ، وعرفته الدكتورة فوزية عبد الستار على أنه “إنهاء حالة الحمل قبل موعد الولادة الطبيعي” ( [10] ) . ومن الشراح الأردنيين عرفه الدكتور كامل السعيد على أنه “القيام بأفعال تؤدي إلى إنهاء حالة الحمل لدى المرأة قبل الوضع الطبيعي إذا تمت تلك الأفعال بقصد إحداث هذه النتيجة” ( [11] ) . كما وعرفه كل من الدكتور عيسى العمري والدكتور محمد شلال العاني على أنه “اعتداء على المرأة الحامل بضرب أو نحوه ، بحيث يسقط الجنين على أثر ذلك ، سواء أسقطته حياً أو ميتاً” ( [12] ) . ومن الشراح العراقيين عرفه الدكتور سليم إبراهيم حربه على أنه “اعتداء موجه ليس على كائن حي بل ضد شروط تكوينه” ( [13] ) .

أما على مستوى القضاء الجنائي ، فنجد أن محكمة النقض المصرية عرفت الإجهاض على أنه (الإسقاط) تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان ، ومتى تم ذلك فان أركان هذه الجريمة تتوافر ولو ظل الحمل في رحم الحامل بسبب وفاتها وليس في استعمال القانون لفظة (الإسقاط) ما يفيد أن خروج الحمل من الرحم – في مثل هذه الحالة – ركن من أركان الجريمة ، وذلك بأنه يستفاد من نصوص قانون العقوبات المتعلقة بجريمة الإسقاط أن المشرع افترض بقاء الأم على قيد الحياة ولذلك استخدم لفظ الإسقاط ، ولكن ذلك لا ينفي قيام الجريمة متى انتهت حالة الحمل قبل الأوان ولو ظل الحمل في الرحم بسبب وفاة الحامل” ( [14] ) ، كما عرفت محكمة التمييز الأردنية الإجهاض بأنه “تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان” ( [15] ) .

بعد استعراض هذه التعاريف نقول أن إجهاض المرأة المغتصبة هو إنهاء حالة الحمل الناتج عن جريمة اغتصاب ارتكبت بحق المرأة التي لا ذنب لها سوى أنها كانت فريسة سهلة وضحية للمجرم الذي اغتصبها، أثمرت جريمة الاغتصاب أن حملت هذه المرأة الضحية في بطنها جنيناً جعلها تفكر في كيفية التخلص منه بطريقة مشروعة لا أن تكون متهمة بارتكاب جريمة الإجهاض، الأمر الذي دفع بعض التشريعات الجنائية الوضعية إلى إيجاد حل ومخرج قانوني لمثل هذه الحالة.

المطلب الثاني

تمييز إجهاض المرأة المغتصبة عما يشتبه به

لغرض إعطاء صورة أوضح لمعنى ومفهوم إجهاض المرأة المغتصبة ، نميزه عن بعض الجرائم الأخرى التي قد تقترب منها أو وجود قواسم مشتركة فيما بينها.

1- الفرق بين إجهاض المرأة المغتصبة وقتل الأم لطفلها حديث العهد بالولادة.

قد يتفق إجهاض المرأة المغتصبة مع قتل الأم لطفلها حديث العهد بالولادة من حيث الباعث عليهما هو اتقاء العار وان مصدر هذا الجنين وذاك الوليد كونهما نتاج حمل السفاح كالاغتصاب أو الزنا وما سواهما ، وكلاهما تعدان من الجرائم الماسة بحياة الإنسان وسلامة بدنه ، ومع ذلك فثمة فوارق جوهرية بينهما وكما يلي:

أ. إن محل الحماية القانونية الجنائية في جريمة الإجهاض هو الجنين بينما يعد الإنسان الوليد (الطفل) هو محل الحماية القانونية الجنائية في جريمة قتل الأم لطفلها حديث العهد بالولادة ( [16] ) .

ب. قد يعد إجهاض المرأة المغتصبة عملاً مباحاً وفق بعض التشريعات الجنائية الوضعية أو عذراً قانونياً مخففاً لدى البعض الآخر من التشريعات إلا أن قتل الأم لطفلها حديث العهد بالولادة يعد جريمة وفق كافة التشريعات الجنائية الوضعية.

2- الفرق بين إجهاض المرأة المغتصبة عن إجهاض المرأة الزانية

كلاهما يعد إجهاضاً واقعاً على جنين مصدره حمل سفاح وسبب الإجهاض هو المحافظة على الشرف واتقاء العار ، ولهذا نجد أن بعض التشريعات الجنائية الوضعية لم تفرق بينهما فاعتبرتهما عذراً قانونياً مخففاً كما في القانون الأردني والسوري والليبي واللبناني أو ظرفاً قضائياً مخففاً كما في القانون العراقي ، بينما أباح القانون السوداني إجهاض المرأة المغتصبة بعد تحقق شروط معينة وجعل من إجهاض المرأة الزانية جريمة عادية ولم يبحها.

3- الفرق بين إجهاض المرأة المغتصبة عن الإجهاض البسيط

كثير من التشريعات الجنائية العربية لا تفرق بين حكم إجهاض المرأة المغتصبة عن حكم الإجهاض البسيط كقوانين دول الخليج العربي والقانون المصري وقوانين بلاد المغرب العربي فسواء أكانت المرأة مرتكبة جريمة الإجهاض مغتصبة أو غير ذلك ، فالأمر سيان في حين أن بعض التشريعات الجنائية كالقانون الأردني والعراقي والسوري والليبي واللبناني اعتبرت إجهاض المرأة المغتصبة إجهاضاً موصوفاً عبارة عن عذر قانوني مخفف وأباح القانون السوداني إجهاض المرأة المغتصبة بشروط معينة ، ومن ثم فإن هذه التشريعات الجنائية الوضعية قد فرقت بينهما.

المطلب الثالث

التكييف القانوني لإجهاض المرأة المغتصبة

التكييف القانوني هو إعطاء وصف قانوني للواقعة المطروحة أمام القضاء الجنائي ، الغاية منه تفهم الواقعة وتحديد عناصرهما للوصول إلى تطبيق القانون تطبيقاً سليماً يتماشى مع روح ونية واضع القانون الجنائي ( [17] ) .

وقد اختلفت القوانين الجنائية الوضعية في تحديد الطبيعة القانونية لإجهاض المرأة المغتصبة وكما يلي :

الاتجاه الأول: جعلت من إجهاض المرأة المغتصبة عذراً قانونياً مخففاً خاصاً لأنه ورد في القسم الخاص من القانون الجنائي الوضعي، وقد أخذ بهذا الاتجاه القانون الأردني واللبناني والسوري والليبي ( [18] ) .

إن اعتبار إجهاض المرأة المغتصبة عذراً قانونياً مخففاً هو تطبيق لمبدأ التفريد التشريعي للعقاب الذي أصبح معلماً بارزاً في السياسة العقابية الحديثة يقضي بجعل العقوبة ملائمة للحالة الشخصية للمرأة المغتصبة والباعث الذي دفعها إلى إسقاط جنينها مع مراعاة الأضرار الناشئة عنه بحق المجتمع ( [19] ) . ويستتبع ذلك أن تخفيف العقوبة هو وجوبي على المحكمة ضمن الحدود التي يوضحها النص القانوني. والقاضي ليست لديه أية سلطة تقديرية بشأنها ، كما أن اعتبار إجهاض المرأة المغتصبة عذراً قانونياً مخففاً قد يحول ضجة الإجهاض إلى مخالفة.

إن ما قرره هذا الاتجاه ببيان إجهاض المرأة المغتصبة على أنه عذر قانوني مخفف خاص ما هو إلا تأكيد للعذر القانوني المخفف العام وهو الباعث(الدافع) الشريف ، على أساس أن إقدام المرأة المغتصبة على إجهاض نفسها قد تم بدافع المحافظة على الشرف واتقاء العار.

الاتجاه الثاني : اعتبر إجهاض المرأة المغتصبة ظرفاً قضائياً مخففاً خاصاً ، وقد أخذ بهذا الاتجاه القانون العراقي ( [20] ) . ان ما قرره هذا الاتجاه بجعل هذا النوع من الإجهاض ظرفاً قضائياً مخففاً ، قد أكد بذلك على مبدأ التفريد القضائي للعقاب ، فالمحكمة لها كامل السلطة التقديرية عند توقيعها للعقوبة بحق المرأة المغتصبة تبعاً لحالتها الشخصية وظروف الجريمة المادية ضمن الحدود والمقاييس المقررة في القانون. وعليه فان المحكمة غير ملزمة بتحقيق العقوبة ، لأن التخفيف أمر جوازي له في مثل هذه الحالة وهو ما يميز الظرف القضائي المخفف عن العذر القانوني المخفف ، كما أن تطبيق مثل هذا الظرف القضائي المخفف لا يترتب عليه تغيير في وصف الجريمة بل تبقى كما هي.

إن القول بتوافر هذا الظرف القضائي المخفف الخاص هو ليس من شأن قاضي الموضوع ، لأن القانون قد حدده سلفاً ومن ثم فان تطبيقه يكون خاضعاً لرقابة محكمة التمييز ( [21] ) ، فيجب على القاضي أن يبين في أسباب حكمه الظرف الذي استلزم التخفيف ، بحيث يعد نقصاً في قرار فرض العقوبة تخفيفها دون بيان الظرف القضائي المخفف وهذا ما قرره القانون العراقي ( [22] ) .

الاتجاه الثالث : وضح هذه الاتجاه أن إجهاض المرأة المغتصبة هو جريمة عادية شأنها شأن بقية جرائم الإجهاض وأخضعها لذات أحكام جريمة الإجهاض فسواء أكانت المرأة التي أجهضت نفسها قد حملت سفاحاً لزنا أو اغتصاب أو كان الحمل ثمرة اتصال جنسي شرعي ، وسواء أكان الباعث على الإجهاض قد تم بدافع المحافظة على الشرف واتقاء العار أو كان بدافع الانتقام أو أي سبب آخر. فالإجهاض ينظر هذا الاتجاه واحد ، وقد أخذ بهذا الاتجاه القانون المصري والقطري والبحريني والإماراتي والعماني والكويتي واليمني والتونسي والجزائري والمغربي والقانون الجزائي الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والقانون الجزائي العربي الموحد ( [23] ) .

الاتجاه الرابع : هذا الاتجاه أباح الإجهاض لكن بشروط معينة استرشاداً بتوصية المؤتمر الدولي التاسع لقانون العقوبات المنعقد في هولنده / لاهاي عام 1964 حيث جاء فيها (يجب الإكثار من عدد الحالات التي يباح فيها الإسقاط في الدول التي تعاقب عليه) ( [24] ) .

عليه فإجهاض المرأة المغتصبة يعد عذراً قانونياً معفياً من العقوبة إذا تحققت شروط معينة كأن يكون بمعرفة طبيب أو داخل مستشفى حكومي والى غير ذلك من الشروط ، وقد أخذ بهذا الاتجاه معظم القوانين الجنائية الغربية كالفرنسي والأمريكي والإنكليزي ، مع الإشارة إلى أن القانون السوداني ومشروع قانون العقوبات الفلسطيني هما القانونان العربيان الوحيدان الذين أعطيا الحق للمرأة المغتصبة بأن تسقط جنينها ( [25] ) .

المطلب الرابع

اجتماع الظروف المشددة والأعذار المخففة عند إجهاض المرأة المغتصبة

قد تقترن جريمة الإجهاض البسيطة ببعض الظروف فتصبح جريمة الإجهاض موصوفة أما بتشديد العقوبة عليها أو بتخفيفها ، هذه الظروف المشددة هي توافر صفة معينة لدى الفاعل كصفة الطبيب أو الممرضة ونحوهما أو استعمال وسيلة معينة كالضرب وما شابه ذلك ، أو ظروف مخففة كأن يكون الجنين ثمرة اتصال جنسي غير شرعي كالزنا أو الاغتصاب أو أن يكون الفاعل يحمل صفة القريب بالنسبة للمرأة المغتصبة.

لا تثور مشكلة إذا اقترنت جريمة الإجهاض البسيطة بظرف مشدد أو مخفف أو اجتماع عذر قانوني مخفف مع عذر قانوني معفي كما لو كان حمل المرأة المغتصبة يتضمن بنفس الوقت خطراً يهدد حياة الأم أو صحتها تهديداً خطيراً فيكون الإجهاض ضرورة لإنقاذ المرأة المغتصبة الحامل من موت محقق أو وشيك الوقوع أو أن يكون الإجهاض ضرورة لتخليص المرأة الحامل من مشاكل صحية قد لا تتحمل تبعاتها فيثبت بتقرير طبي أن إجهاضها أمر لابد منه لشفائها ( [26] ) (67) . عندئذٍ يتحقق عذر أو ظرف مخفف متمثل بحمل المرأة سببه جريمة اغتصاب زائداً عذر معفي متمثل بالضرورة وهي إنقاذ حياة الأم من الخطر ، ففي مثل هذه الواقعة يطبق العذر القانوني المعفي من العقاب فهذا النوع من الأعذار إذا ما تحقق لدى المحكمة عندئذٍ يمتنع من الحكم على الفاعل بأية عقوبة . ولكن إذا اجتمعت ظروف مشددة مع أعذار قانونية معفية أو مخففة سوية مع بعضها البعض كأن تكون المرأة المغتصبة طبيبة أو ممرضة وتقدم على إجهاض نفسها بنفسها ، أو أن تستعين بأحد أقاربها وهو طبيب أو مضمد. ففي مثل هذه الحالة نأخذ بالعذر القانوني المخفف أو الظرف المخفف بحق المرأة المغتصبة التي أجهضت جنينها حتى وان كانت تحمل صفة طبيبة أو ممرضة وكذلك الحال لو كان قريبها الذي لجأت إليه لغرض إجهاضها يحمل صـفة الطبيب آو المضمد لأن حكمة التشـديد في مثل هذه الحالة منتفية ( [27] ) ، أضف إلى ما تقدم أن العذر القانوني المخفف الخاص يتسم بصفة الإلزام فالقانون يلزم القاضي بالتخفيف عند تحقق العذر ( [28] ) .

كما أن عبارة النص القانوني الذي تناول إجهاض المرأة المغتصبة يفسر بعضها بعضاً ، بمعنى أن القانون الجنائي الوضعي عندما قرر المشرع إيراد مثل هذا النص كان محكمة معينة وهي أن عله التخفيف مرتبطة بالتقاليد والأعراف والعادات التي تتسم بها مجتمعاتنا الشرقية وما للشرف من أثر ومكانة ووزن لدى أفراد مجتمعاتنا. إلا أن أثر هذا التخفيف لا يستفيد منه إلا من تعلق به فقط ، بمعنى أنه من الممكن أن تصاحب جريمة الإجهاض ظروف مخففة كون المرأة مغتصبة أو حملت سفاحاً وظروف مشددة كالاستعانة بطبيب أو ممرضة. ومن ثم فإذا اجتمعت الظروف المشددة والمخففة في شخص الفاعل فلا يصار إلى تطبيق الظروف المشددة أولاً كما هو مقرر في القواعد العامة.

تعليقات فايسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *