﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ | منتديات الدراسة الجزائرية

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾

لعلا الله ارسل هذه الرساله اليك ليهدك فلا تبخل نفسك واتمم القراء ولا تنساني من صالح دعائك
التوبة صفة المؤمنين، قال تعالى: )وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( ]النور31[. والإنابة صفة الأولياء والمقربين، قال تعالى: )مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ( ]ق33 [. والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: )وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( ]ص30[.
* وإن من أول تأهب العبد لأسباب التوبة: هجر إخوان السوء، فإنهم هم الذين يحملون على ردّ هذا القصد وتشويشه ؛ ولا يتم ذلك إلا بالمواظبة على مخالطة العلماء والصالحين، وسماع أقوالهم، وملاحظة أفعالهم، مما يزيد في رغبته في التوبة، ويقوي رجاءه وخوفه، فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على قبيح الأفعال..
* وأما وجوب التوبة على الدوام، وفي حال فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المذهلة ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله.. كل ذلك نقص، ولا يتصوّر الخلو من إحداهما في الآدميّ، وإنما يتفاوتون بالمقادير، فأما الأصل فلا بدّ منه، ولذلك قال عليه السلام: (إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة) ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال: وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره..
- كيف يكون حال الإنسان وهو لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلاً، وليس معنى التوبة تركها فقط؛ بل تمام النوبة بتدارك ما مضى، وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نَفَس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت ريناً كما يصير بخار النَّفَس في وجه المرآة عند تراكمه خبثاً؛ كما قال تعالى: )كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( ]المطففين14 [، فإذا تراكم الرين صار طبعاًَ فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل الصقل بعده.
- ولا يكفي في تدارك الشهوات تركها في المستقبل، بل لا بد من محو تلك الأديان التي انطبعت في القلب؛ إذ كما يرتفع القلب ظلمة من المعاصي والشهوات، يرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات؛ فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة، قال صلى الله عليه وسلم: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) - وقال تعالى: ) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ( ]هود114[ فالواجب على العبد محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضادُّ آثارها آثار تلك السيئات..
- ولقد صدق أبو سليمان الدّاراني حيث قال: "لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الخير لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله".. وإنما قال هذا لأن العاصي إذا مَلَك جوهرة نفسية، وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة، وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه أشد، وكل ساعة من العمر، بل كل نَفَس جوهرة نفسية لا خَلَف لها، ولا بدل منها فإنها صالحة لأن توصل العبد إلى سعادة الأبد وتنقذه من شقاوة الأبد، وأَيُّ جوهرة أنفس من هذا؟! فإذا ضيّعها الغفلة فقد خسر خسراناً مبيناً، وإن كان لا يبكي هذه المصيبة فذلك لجهله، ومصيبته بجهله أعظم من كل مصيبة..
ونوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.. قال تعالى: )وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( ]المنافقون 9-10[ وقد قيل في معنى الآية: إنه يقول حالتئذٍ: "يا ملك الموت أخرني يوماً أتوب فيه إلى ربي وأتزود صالحاً لنفسي، فيقول: "فنيت الأيام فلا يوم" فيقول: فأخرني ساعة، فيقول: "فنيت الساعات فلا ساعة" فيغلق باب التوبة، فيتغرغر بروحه، وتزهق نفسه. قال تعالى: )إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً( ]النساء17[.
إلهي لست للفردوس أهلاً
ولا أقوى على نار الجحيم
فهب لي توبة واغفر ذنوبي
فإنك غافر الذنب العظيم
 
عودة
أعلى